الشيخ الجواهري
131
جواهر الكلام
قلت : لعله كذلك فيه وفي كل ما جرت العادة به في الودايع التي يمكن دعوى بناء العقد على ذلك ، وعلى فهمها من الاطلاق ، والأمر سهل . إنما الكلام في الضرورة التي ذكرها المصنف قال في المسالك : " لو حصل ضرورة الايداع بأن خاف عليها من سرق أو حرق أو نهب أو أراد سفرا وتعذر ردها إلى المالك أو وكيله ، دفعها إلى الحاكم ، ولا يسمى ذلك إيداعا ، فإن تعذر أودعها العدل ، وهذا هو الخارج بالقيد ، فلا يجوز إيداعها للضرورة ابتداء ، بل على الوجه الذي فصلناه ، وسيأتي في كلامه التنبيه عليه " إلى غير ذلك من كلامهم الظاهر في جعل الضرورة عنوانا لجواز الايداع لكن ليس في شئ من النصوص ذلك كي يرجع في مصداقها إلى العرف ، وأن السفر للدنيا أو للآخرة أو للنزاهة ونحوها منهما أولا . ثم إنه مع تعذر الحاكم ينبغي الرجوع إلى عدول المؤمنين القائمين مقامه في الحسب ليكون علم الرد للمالك لا إيداعا للضرورة كما سمعته من المسالك ، واحتمال إرادته ذلك من ايداع العدل يدفعه قوله : إن هذا هو الخارج بالقيد إلى آخره ، على أنه مع تسليمه قد يناقش بعدم كونه إيداعا عرفا أيضا مع فرض عدم إذن المالك له ، ورخصة الشارع له فيه لا تصيره وديعة عرفا ، ودعوى حصول الإذن المالك له في هذا الحال واضحة المنع ، فليس حينئذ إلا القول بأنه مخاطب بحفظها من جهتين ، إحديهما من حيث كونه وديعة ، والأخرى من حيث أنها مال محترم ، فمع فرض الضرورة يتعين عليه ملاحظة الجهة الثانية ، فيودعها لذلك ، وليس هذا وديعة اصطلاحا ، إذ هي استنابة من المالك في الحفظ ، وإنما هو وضع منه لحفظها ، في يد غيره لأن له ولاية عليها بالنسبة إلى حفظها وإن لم يكن له ولاية على مالكها . فاستثناء الضرورة حينئذ من عدم جواز الايداع بهذا المعنى ، لا أن المراد جواز الايداع من حيث كونه وديعة ، لكن حال الضرورة على معنى صيرورة الايداع حالها من أفراد الحفظ الذي قد استفيد الإذن فيها من عقد الوديعة ، فتأمل جيدا فإنه يترتب على ذلك ثمرات .